الشيخ محمد هادي معرفة

92

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وأصوب قيلًا » . فقيل له : يا أبا حمزة ، إنّما هي « وَأَقْوَمُ قِيلًا » ؟ « 1 » فقال : أقوم ، وأصوب ، وأهدى ، واحد . « 2 » وكان أبو هريرة يجوّز تبديل « عليما حكيما » إلى « غفورا رحيما » . « 3 » وهكذا قرأ ابن مسعود وابيّ بن كعب وابن عباس وابن الزبير والأعمش وعكرمة وعمرو بن دينار : « هذه أنعام وحَرْثٌ حِرْجٌ » . والمشهور قراءة : « حَرْثٌ حِجْرٌ » . « 4 » قال ابن جنّي : لأنّهما بمعنىً . « 5 » هذا . . . ولكنّه مذهب مرفوض في رأي المحققين ، ومن ثَمَّ رفضه جمهور المسلمين طول التأريخ ، إذ لكلّ لفظة موضعها الخاصّ لاتناسبه لفظة أُخرى ، حتى ولو كانت مرادفة لها . فضلا عن غير المرادفة . إذ موضع استعمال « العليم الحكيم » - مثلًا - يختلف عن موضع استعمال « الغفور الرحيم » . وهكذا جميع الكلمات المترادفة في لغة العرب ، لكلّ واحدة منها خصوصيّة إذا لاحظها المتكلّم كان كلامه بديعا ، وبذلك يعرف الفصيح عن غير الفصيح ، وقد بلغ القرآن في هذه الناحية حدّ الإعجاز ، فإنّه فاق الفصحاء العرب في تعيين مواقع الكلمات المتناسبة بما أعجزهم وأخضعهم للاعتراف ببلاغته الخارقة . إذن فكيف نجيز لآحاد المسلمين أن يستبدلوا من ألفاظ القرآن بما يترادف معها من سائر الألفاظ ، وهل يعرف أحد كحدّ معرفته تعالى ، بموقعيّة الألفاظ بعضها من بعض ، البالغة حدّ الإعجاز ؟ ! قال سيّدنا الأُستاذ رحمه الله : فهذا الاحتمال - أي احتمال جواز تبديل ألفاظ القرآن إلى مترادفاتها - يوجب هدم أساس القرآن ، المعجزة الأبديّة والحجّة على جميع البشر ، ولايشكّ عاقل في أنّ ذلك يقتضي هجر القرآن المنزل ، وعدم الاعتناء بشأنه ، وهل يتوهّم عاقل ترخيص النبيّ صلى الله عليه وآله أن يقرأ القارئ « يس والذكر العظيم ، إنّك لمن الأنبياء ، على

--> ( 1 ) - المزّمّل 6 : 73 . ( 2 ) - جامع البيان ، ج 1 ، ص 18 . ( 3 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 134 . ( 4 ) - الأنعام 138 : 6 . ( 5 ) - المحتسب لابن جنّي ، ج 1 ، ص 341 .